أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
660
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
1866 - على حين عاتبت المشيب على الصّبا * فقلت : ألمّا أصح والشّيب وازع « 1 » وخرّجوا هذه القراءة على أن « يَوْمُ » منصوب على الظرف ، وهو متعلق في الحقيقة بخبر المبتدأ أي : هذا واقع يقع في يوم ينفع ، فيستوي هذا مع تخريج القراءة الأولى والثانية أيضا في المعنى . ومنهم من خرّجه على أنّ « هذا » منصوب ب « قالَ » ، وأشير به إلى المصدر فنصبه على المصدر ، وقيل : بل أشير به إلى الخبر والقصص المتقدمة فيجري في نصبه خلاف : هل هو منصوب نصب المفعول به أو نصب المصادر ؟ لأنه متى وقع بعد القول ما يفهم كلاما : « قلت شعرا وخطبة » جرى فيه هذا الخلاف ، وعلى كلّ تقدير ف « يَوْمُ » منصوب على الظرف ب « قالَ » أي : قال اللّه هذا القول أو هذه الأخبار في وقت نفع الصادقين ، و - « يَنْفَعُ » في محلّ خفض بالإضافة ، وقد تقدّم ما يجوز إضافته إلى الجمل وأنه أحد ثلاثة أشياء . وأمّا قراءة التنوين فرفعه على الخبرية كقراءة الجماعة ، ونصبه على الظرف كقراءة نافع ، إلا أنّ الجملة بعده في القراءتين في محل الوصف لما قبلها ، والعائد محذوف ، وهي نظيرة قوله تعالى : يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً « 2 » ، فيكون محلّ هذه الجملة إما رفعا أو نصبا . قوله : صِدْقُهُمْ مرفوع بالفاعلية ، وهذه قراءة العامة ، وقرىء « 3 » شاذا بنصبه وفيه أربعة أوجه : أحدها : أنه منصوب على المفعول من أجله أي : ينفعهم لأجل صدقهم ، ذكر ذلك أبو البقاء . وتبعه الشيخ « 4 » وهذا لا يجوز لأنه فات شرط من شروط النصب ، وهو اتحاد الفاعل ، فإنّ فاعل النفع غير فاعل الصدق ، وليس لقائل أن يقول : « ينصب بالصادقين فكأنه قيل : الذين يصدقون لأجل صدقهم فيلزم اتحاد الفاعل » لأنه يؤدي إلى أنّ الشيء علة لنفسه ، وللقول فيه مجال . الثاني : على إسقاط حرف الجر أي : بصدقهم ، وهذا قد عرفت ما فيه أيضا من أنّ حذف الحرف لا يطّرد . الثالث : أنه منصوب على المفعول به ، والناصب له اسم الفاعل في « الصَّادِقِينَ » أي : الذين صدقوا صدقهم ، مبالغة نحو : « صدقت القتال » كأنك وعدت القتال فلم تكذبه ، وقد يقوي هذا نصبه على المفعول له ، والعامل فيه اسم الفاعل قبله . الرابع : أنه مصدر مؤكد كأنه قيل : الذين يصدقون الصدق كما تقول : « صدق الصدق » ، وعلى هذه الأوجه كلّها ففاعل « يَنْفَعُ » ضمير يعود على اللّه تعالى . وقوله تعالى : « رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ » معناه الدعاء . وباقي السورة ظاهر الإعراب ممّا تقدّم من نظائره وللّه الحمد .
--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) سورة البقرة ، الآية ( 48 ) . ( 3 ) انظر البحر ( 4 / 63 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 4 / 63 ) .